مع‭ ‬إعلان‭ ‬الإمارات‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬أوبك‭ .. ‬هل‭ ‬انفرط‭ ‬عقد‭ ‬أوبك؟

العدد أبريل - مايو 2026

 

 

في‭ ‬توقيت‭ ‬يتسم‭ ‬بالتحديات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬البترول‭ ‬والطاقة،‭ ‬يبرز‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬إنسحاب‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬أوبك‭ ‬وتحالف‭ ‬أوبك‭+‬‭ ‬كدلالة‭ ‬تحمل‭ ‬مؤشرات‭ ‬هامة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخلافات‭ ‬الفنية‭ ‬حول‭ ‬حصص‭ ‬الإنتاج‭ ‬لتلامس‭ ‬جوهر‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬البترول‭ ‬العالمي،‭ ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬عابر‭ ‬أم‭ ‬تحول‭ ‬قد‭ ‬نشهد‭ ‬فيه‭ ‬انفراط‭ ‬عقد‭ ‬أوبك‭ ‬،الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬البترول‭ ‬والطاقة‭ ‬،‭ ‬وبالتبعية‭ ‬يؤثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬بشكل‭ ‬متفاوت‭ ‬على‭ ‬اقتصاديات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬ومنها‭ ‬مصر‭ ‬؟‭.‬

 

منذ‭ ‬تأسيس‭ ‬أوبك‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬1960،‭ ‬لعبت‭ ‬المنظمة‭ ‬دور‭ ‬صمام‭ ‬الأمان،‭ ‬ومع‭ ‬انضمام‭ ‬منتجين‭ ‬كبار‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬أصبح‭ ‬تحالف‭ ‬أوبك‭+‬‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬التقلبات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬أسواق‭ ‬البترول‭ ‬والأسعار‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفترات‭.‬

الإمارات‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬قامت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬بضخ‭ ‬استثمارات‭ ‬هائلة‭ ‬لرفع‭ ‬طاقتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬ترتبت‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الروسية‭ ‬،‭ ‬والحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬،‭ ‬مقيدة‭ ‬بحصص‭ ‬إنتاجية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حصتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬مما‭ ‬يظهر‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬سياسة‭ ‬أوبك‭+‬‭ ‬لضبط‭ ‬السوق‭ ‬والأسعار‭ ‬وسياستها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬إنتاجها‭ ‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬وتراجع‭ ‬وحدة‭ ‬وانضباط‭ ‬دول‭ ‬التحالف،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬و‭ ‬نزوليه‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والأسعار‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصر‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬مستورداً‭ ‬صافياً‭ ‬للبترول‭ ‬،‭ ‬فإن‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬البترول‭ ‬قد‭ ‬يخفف‭ ‬الضغط‭ ‬علي‭ ‬فاتورة‭ ‬الاستيراد‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬علي‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التأكد‭ ‬واليقين‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬بسبب‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬والأسعار‭.‬

وتبدو‭ ‬الإشارة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬بشكل‭ ‬أوسع‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الحروب‭ ‬وضغوط‭ ‬الدول‭ ‬المستهلكة‭ ‬الكبرى‭ ‬الرئيسية‭ ‬وتنافس‭ ‬المنتجين‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الحصص‭ ‬السوقية‭ ‬لتحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬عائدات‭ ‬تستطيع‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬معدلات‭ ‬إنتاجها‭ .‬

في‭ ‬ظل‭ ‬التحليل‭ ‬السابق‭ ‬من‭ ‬المبكر‭ ‬القوي‭ ‬أن‭ ‬أوبك‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬النهاية‭ ‬،‭ ‬وأغلب‭ ‬الأمر‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬يعاد‭ ‬فيها‭ ‬هيكلها‭ ‬مع‭ ‬انسحاب‭ ‬الإمارات‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يتبعه‭ ‬انسحاب‭ ‬دول‭ ‬أخري‭ ‬في‭ ‬المنظمة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬،و‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬دول‭ ‬خليجية‭ ‬يمثل‭ ‬البترول‭ ‬عماد‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وأن‭ ‬الجميع‭ ‬يسعي‭ ‬إلى‭ ‬تعظيم‭ ‬عائداته‭ ‬ومصالحه‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لدعم‭ ‬اقتصادياته‭ ‬واستمرار‭ ‬مسيرة‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬بالبلاد‭.‬

ما‭ ‬أشبه‭ ‬الليلة‭ ‬بالبارحة‭ !‬

ليس‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬منظمة‭ ‬أوبك،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬المنظمة‭ ‬واجهت‭ ‬بالفعل‭ ‬فترات‭ ‬انسحاب‭ ‬من‭ ‬أعضائها‭ ‬وخلافات‭ ‬حادة‭ ‬كادت‭ ‬تعصف‭ ‬بتماسكها‭ ‬،خروج‭ ‬قطر‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬وقبله‭ ‬إندونيسيا‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نهاية‭ ‬أوبك،‭ ‬بل‭ ‬اختبارًا‭ ‬لقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬المنظمة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الإبحار‭ ‬وسط‭ ‬بحار‭ ‬متلاطمة”‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬الطلب‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬،‭ ‬والآن‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

السر‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬أوبك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الخلافات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف،‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬التوافقات‭ ‬كلما‭ ‬تغيرت‭ ‬ظروف‭ ‬السوق‭ ‬،‭ ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬توتر‭ ‬مع‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءته‭ ‬باعتباره‭ ‬استثناء‭ ‬بل‭ ‬امتداداً‭ ‬لنمط‭ ‬تاريخي‭ ‬تتخلله‭ ‬شد‭ ‬وجذب‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬منفردة‭ ‬والإطار‭ ‬الجماعي‭ . ‬

الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬داخل‭ ‬أوبك‭.. ‬من‭ ‬يقود‭ ‬ومن‭ ‬يتأثر؟

لفهم‭ ‬تداعيات‭ ‬أي‭ ‬انسحاب‭ ‬محتمل،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬داخل‭ ‬أوبك‭ ‬،‭ ‬فليست‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬متساوية‭ ‬التأثير،‭ ‬تظل‭ ‬السعودية‭ ‬اللاعب‭ ‬المحوري،‭ ‬نظراً‭ ‬لقدرتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الضخمة‭ ‬وامتلاكها‭ ‬طاقة‭ ‬فائضة‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانبها،‭ ‬تلعب‭ ‬روسيا‭ ‬دور‭ ‬الشريك‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬أوبك‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬التحالف‭ ‬ثقلاً‭ ‬عالمياً‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تمثل‭ ‬الإمارات‭ ‬حالة‭ ‬خاصة‭ :‬

دولة‭ ‬ذات‭ ‬قدرات‭ ‬إنتاجية‭ ‬متنامية‭ ‬واستثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬وطموح‭ ‬واضح‭ ‬لزيادة‭ ‬حصتها‭ ‬السوقية‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬منها‭ ‬مؤثراً،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬حاسماً‭ ‬بمفرده‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬التحالف،‭ ‬طالما‭ ‬بقيت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬ملتزمة‭ ‬بالإطار‭ ‬العام‭.‬

بعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬يملأ‭ ‬الفراغ؟

إذا‭ ‬افترضنا‭ ‬انسحاب‭ ‬الإمارات،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬فقط‭ ‬ماذا‭ ‬خسرت‭ ‬أوبك‭ ‬؟‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬كيف‭ ‬ستتأقلم؟”‭. ‬تاريخيا،‭ ‬أظهرت‭ ‬المنظمة‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار،‭ ‬فقد‭ ‬تعزز‭ ‬السعودية‭ ‬دورها‭ ‬القيادي‭ ‬لضبط‭ ‬السوق،‭ ‬وقد‭ ‬تسعى‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬لزيادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬لتعويض‭ ‬أي‭ ‬فجوة،‭ ‬وقد‭ ‬يتجه‭ ‬التحالف‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المرونة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬الصارم‭ .‬

الأهم‭ ‬أن‭ ‬أوبك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تحالف‭ ‬تقليدي‭ ‬بل‭ ‬تحالفاً‭ ‬مرناً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬نفسه‭ ‬وفق‭ ‬الظروف‭ ‬العالمية‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬ينفرط‭ ‬عقد‭ ‬أوبك؟‭ ‬بل‭ ‬هل‭ ‬تتغير‭ ‬طبيعتها؟‭ ‬فكما‭ ‬صمدت‭ ‬المنظمة‭ ‬أمام‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة،‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دورها‭. ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬مزيجًا‭ ‬من‭ ‬دروسه‭ ‬وضغوط‭ ‬الحاضر‭. ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬أشبه‭ ‬الليلة‭ ‬بالبارحة”‭ ‬و‭ ‬“اختلاف‭ ‬الظروف”،‭ ‬فأغلب‭ ‬الظن‭ ‬ان‭ ‬أوبك‭ ‬ستظل‭ ‬لاعباً‭ ‬رئيسياً‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬بقواعد‭ ‬لعبة‭ ‬جديدة‭.‬

اهم الاخبار
جميع الحقوق محفوظة © 2026 مجلة البترول
Powered By : Idea World Web