في توقيت يتسم بالتحديات والاضطرابات بشكل غير مسبوق في أسواق البترول والطاقة، يبرز الإعلان عن إنسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ كدلالة تحمل مؤشرات هامة تتجاوز الخلافات الفنية حول حصص الإنتاج لتلامس جوهر التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في سوق البترول العالمي، فهل نحن أمام مجرد خلاف عابر أم تحول قد نشهد فيه انفراط عقد أوبك ،الأمر الذي قد يعيد رسم خريطة البترول والطاقة ، وبالتبعية يؤثر تأثيراً بشكل متفاوت على اقتصاديات العديد من الدول المستوردة ومنها مصر ؟.
منذ تأسيس أوبك في سبتمبر عام 1960، لعبت المنظمة دور صمام الأمان، ومع انضمام منتجين كبار مثل روسيا أصبح تحالف أوبك+ أكثر قدرة على التعامل والسيطرة على التقلبات التي شهدتها أسواق البترول والأسعار في العديد من الفترات.
الإمارات وكما هو معروف قامت خلال السنوات الماضية بضخ استثمارات هائلة لرفع طاقتها الإنتاجية تجد نفسها في ظل الأوضاع الحالية التي ترتبت على الحروب التي شهدتها العديد من المناطق، مثل الحرب الأوكرانية الروسية ، والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ، مقيدة بحصص إنتاجية لا تعكس الرغبة في زيادة حصتها الإنتاجية مما يظهر التناقض بين سياسة أوبك+ لضبط السوق والأسعار وسياستها الإنتاجية التي تدعم زيادة معدلات إنتاجها ، وبالتالي الضغط على الأسعار وتراجع وحدة وانضباط دول التحالف، مما يؤدي إلى تقلبات حادة و نزوليه في الأسواق والأسعار.
وفيما يتعلق بمصر التي تعد مستورداً صافياً للبترول ، فإن انخفاض الأسعار العالمية التي قد تنتج عن زيادة في العرض العالمي من البترول قد يخفف الضغط علي فاتورة الاستيراد بما يدعم الموازنة العامة للدولة علي المدى القصير ، لكن في المقابل يخلق حالة من عدم التأكد واليقين على المدى المتوسط بسبب تقلبات الأسواق والأسعار.
وتبدو الإشارة أنه لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق الجيوسياسي بشكل أوسع مع استمرار الحروب وضغوط الدول المستهلكة الكبرى الرئيسية وتنافس المنتجين على زيادة الحصص السوقية لتحقيق أقصى عائدات تستطيع الحصول عليها من زيادة معدلات إنتاجها .
في ظل التحليل السابق من المبكر القوي أن أوبك على وشك النهاية ، وأغلب الأمر أنها قد تمر بمرحلة جديدة يعاد فيها هيكلها مع انسحاب الإمارات الذي قد يتبعه انسحاب دول أخري في المنظمة، خاصة وأن جميع الدول الأعضاء في المنظمة ،و التي تضم دول خليجية يمثل البترول عماد اقتصادها، وأن الجميع يسعي إلى تعظيم عائداته ومصالحه الاقتصادية لدعم اقتصادياته واستمرار مسيرة برامج التنمية بالبلاد.
ما أشبه الليلة بالبارحة !
ليس المشهد الحالي هو الأول من نوعه في تاريخ منظمة أوبك، فالتاريخ يكشف أن المنظمة واجهت بالفعل فترات انسحاب من أعضائها وخلافات حادة كادت تعصف بتماسكها ،خروج قطر عام 2019، وقبله إندونيسيا في فترات سابقة، لم يكن نهاية أوبك، بل اختبارًا لقدرتها على التكيف ، بل إن المنظمة نجحت في الإبحار وسط بحار متلاطمة” من الأزمات من انهيار الأسعار في الثمانينيات، إلى صدمة الطلب خلال جائحة كورونا، وصولاً إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا ، والآن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية.
السر في بقاء أوبك لم يكن في غياب الخلافات، بل في قدرتها على إدارة الخلاف، وإعادة صياغة التوافقات كلما تغيرت ظروف السوق ، ومن هنا، فإن أي توتر مع الإمارات العربية المتحدة لا ينبغي قراءته باعتباره استثناء بل امتداداً لنمط تاريخي تتخلله شد وجذب بين مصالح منفردة والإطار الجماعي .
الوزن النسبي داخل أوبك.. من يقود ومن يتأثر؟
لفهم تداعيات أي انسحاب محتمل، لا بد من النظر إلى الوزن النسبي داخل أوبك ، فليست كل الدول متساوية التأثير، تظل السعودية اللاعب المحوري، نظراً لقدرتها الإنتاجية الضخمة وامتلاكها طاقة فائضة تمكنها من التدخل السريع في السوق ، إلى جانبها، تلعب روسيا دور الشريك الاستراتيجي في إطار أوبك ، ما يمنح التحالف ثقلاً عالمياً.
في المقابل، تمثل الإمارات حالة خاصة :
دولة ذات قدرات إنتاجية متنامية واستثمارات كبيرة وطموح واضح لزيادة حصتها السوقية وهذا يجعل أي تحرك منها مؤثراً، لكنه ليس حاسماً بمفرده في تفكيك التحالف، طالما بقيت الدول الكبرى ملتزمة بالإطار العام.
بعد الانسحاب من يملأ الفراغ؟
إذا افترضنا انسحاب الإمارات، فإن السؤال لن يكون فقط ماذا خسرت أوبك ؟ بل أيضا كيف ستتأقلم؟”. تاريخيا، أظهرت المنظمة قدرة على التكيف وإعادة توزيع الأدوار، فقد تعزز السعودية دورها القيادي لضبط السوق، وقد تسعى دول أخرى لزيادة إنتاجها لتعويض أي فجوة، وقد يتجه التحالف نحو مزيد من المرونة بدلا من الالتزام الصارم .
الأهم أن أوبك لم تعد مجرد تحالف تقليدي بل تحالفاً مرناً قادراً على إعادة هيكلة نفسه وفق الظروف العالمية.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ينفرط عقد أوبك؟ بل هل تتغير طبيعتها؟ فكما صمدت المنظمة أمام أزمات سابقة، قد تنجح مرة أخرى في إعادة تعريف دورها. لكن المؤكد أن المرحلة القادمة لن تكون نسخة من الماضي، بل مزيجًا من دروسه وضغوط الحاضر. وبين ما أشبه الليلة بالبارحة” و “اختلاف الظروف”، فأغلب الظن ان أوبك ستظل لاعباً رئيسياً ، لكن بقواعد لعبة جديدة.